ماذا بعد ترك الدين
مَاذَا بَعْدَ تَرْكِ الدِّينِ؟ وَمَنْ يُنَظِّمُ الْحَيَاةَ؟
يَسْأَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِي نِقَاشِهِمْ مَعَ اللَّادِينِيِّينَ:
“إِذًا، إِنْ تَرَكْتُ دِينِي، كَيْفَ سَأَعِيشُ؟ وَمَا الَّذِي يُنَظِّمُ سُلُوكِي؟ وَمَنْ يَضَعُ لِيَ الضَّوَابِطَ؟”
وَهُوَ سُؤَالٌ وَجِيهٌ… إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ صَادِقًا فِي طَلَبِ الْفَهْمِ، لَا مُجَرَّدَ تَشْكِيكٍ أَوْ تَهَكُّمٍ.

لَكِنَّ السُّؤَالَ يَفْتَرِضُ أَمْرًا غَيْرَ صَحِيحٍ:
أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْمَصْدَرُ الْوَحِيدُ لِلْأَخْلَاقِ وَالْقِيمِ وضوابط السلوك، وَبِدُونِهِ سَيَفْقِدُ الْإِنْسَانُ ضَبْطَهُ لِنَفْسِهِ.
وَهَذَا غَيْرُ صحيح فِي الْوَاقِعِ وَفِي التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
الْإِنْسَانُ لَا يُفَكِّرُ فِي تَرْكِ دِينِهِ إِلَّا بَعْدَ وَصُولِهِ لِدَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ الْوَعْيِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وَلَيْسَ الْعَكْس، أَنْ يَتْرُكَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَتَسَاءَلَ: “مَاذَا أَفْعَلُ بَعْدَهُ؟”
فَالتَّخَلِّي عَنِ الدِّينِ، عِنْدَ مَنْ وَصَلُوا إِلَيْهِ، لَيْسَ فِعْلَ تَمَرُّدٍ، وَلَا رَغْبَةً فِي الْفَوْضَى، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ لِرُقِيٍّ فِي الْفَهْمِ، وَالْإِدْرَاكِ، وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَخَافُ وَمَنْ يَفْهَمُ:
- الْمُؤْمِنُ يَمْتَنِعُ عَنِ الْخَطَأِ خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ.
- أَمَّا الْوَاعِي، فَيَمْتَنِعُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَدْرِي مَا سَيَجْلُبُهُ مِنْ ضَرَرٍ.
الْأَخْلَاقُ لَا تَحْتَاجُ دِينًا، بَلْ تَحْتَاجُ وَعْيًا.
وَمَعَ هَذَا، فَإِنَّ الضَّوَابِطَ الْحَيَاتِيَّةَ لَا تَأْتِي مِنَ الْفَرَاغِ:
بَلْ تَأْتِي الْيَوْمَ مِنْ مَجْمُوعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْعُلُومِ الْحَدِيثَةِ، الَّتِي تَغَطِّي مَا كَانَتِ التَّشْرِيعَاتُ الدِّينِيَّةُ تَتَصَدَّى لَهُ، بَلْ وَتَفُوقُهَا:
- كَعِلْمِ النَّفْسِ
- وَعُلُومِ التَّرْبِيَةِ وَالْمُجْتَمَعِ
- وَعِلْمِ السُّلُوكِ وَالْقِيَمِ وَالتَّواصُلِ
- وَالْفَلْسَفَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ التَّطْبِيقِيَّةِ
وَذَلِكَ سَنَتَنَاوَلُهُ فِي مَقَالٍ قَادِمٍ بِعُنْوَانِ:
“الْعُلُومُ الْإِنْسَانِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ: بَدِيلٌ عَقْلَانِيٌّ لِضَبْطِ الْحَيَاةِ”
وَأَخِيرًا، نُلَخِّصُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ:
لَمْ نَتْرُكِ الدِّينَ ثُمَّ نُفَكِّرْ فِي كَيْفَ نَحْيَا،
بَلْ لَمَّا فَهِمْنَا كَيْفَ نَحْيَا، لَمْ نَعُدْ نَحْتَاجُ إِلَى الدِّينِ.