ألفطرة المقلوبة

الفِطرة المقلوبة: من يحتاج التوصية؟ الآباء أم الأبناء؟

مقدمة

حين يُسأل بعض المسلمين: لماذا لم يرد في القرآن أي توجيه مباشر للآباء بحُسن معاملة أبنائهم، أو برعايتهم نفسياً وعاطفياً؟
يأتي الجواب المعتاد: “هذا أمر فِطري، ألأب لا يحتاج توصية لرعاية أولاده!”
لكن لو تأملنا المنطق الكامن وراء هذا الرد، فسنجد أن ما يُسمّى “فِطرة” قد انقلبت عـلى رأسها!

فالطفل هو الكائن الفِطري بطبيعته: يحب والديه، يتعلّق بهما، يطمئن إليهما، ويستسلم لهما كلياً.
أما البالغون، فحياتهم مليئة بالتجارب، الصدمات، التقاليد، الضغوط الاجتماعية، والأنماط التربوية المتوارثة — أي أن فطرتهم “مُحمّلة” بمخزون مشوّه ومتضارب.
فمن يحتاج التوجيه إذًا؟ الطفل السليم فِطرياً؟ أم الأب أو الأم الذين ترسبت في نفوسهم آثار التنشئة والعُرف والدين والتجارب وضغوط الحياة؟!

البيئة البدائية: طاعة بلا أسئلة

لنعد قليلاً إلى الوراء…
في المجتمع العربي البدوي في القرن السابع الميلادي، كان الطفل يعتبر ملكية أسرية. الطاعة العمياء لم تكن خياراً، بل شرطاً للبقاء داخل الجماعة.
الأسرة كانت عمودية السلطة: الأب يُطاع، ولا يُسأل. الأم تُنفّذ، ولا تُناقش.
والابن مطالب بالطاعة والامتثال منذ نعومة أظفاره.

ولذلك نجد تركيز النصوص القرآنية والحديثية منصبًّا عـلى أمر الأبناء بالطاعة — لا عـلى سؤال الأبوين عـن عـدالتهم، أو احترامهم لحقوق أطفالهم، أو التزامهم بالرعاية النفسية والسلوكية إلى جانب المأكل والملبس. فرعاية الأولاد ضمن العـقلية البدائية تقتصر عـلى أساسيات البقاء من غـذاء ومأوى وملابس

لماذا هذا أمر خطير اليوم؟

في زمننا، لم يعد هذا المنطق مقبولاً.
الآباء لا يُولدون صالحين بالوراثة. كثير من الأمهات والآباء يمارسون العنف، الإهمال، التسلط، أو التلاعب العاطفي.
وفي كثير من الحالات، لا يكون ذلك عن نية سيئة، بل نتيجة لجهل أو لتربية خاطئة عاشوها هم أنفسهم.

الطفل هو الطرف الأضعف في العلاقة:

  • لا يملك مصدرًا آخر للأمان أو ملاذاً غـير والديه.
  • لا يستطيع الدفاع عـن نفسه.
  • يعتمد عـليهم كليًا في كل شيء: في الطعام، المأوى، التعليم، الحب، والحنان.
  • بينما الأب أو الأم لا يعتمدون عـلى الطفل — عـلى الأقل في السنوات الأولى — لا ماديًا ولا معـنويًا.

فمن هو الذي يحتاج التوصية؟
هل هو الضعيف المعتمد؟ أم القوي المهيمن؟

ورغم هذا، لا تزال بعض المجتمعات تمنح “القداسة” للوالدين، حتى وإن كانا ظالمين، تحت شعار:
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

لكن ماذا عن الطفل؟ من يُحسن إليه؟ من يُوصي به؟

الفِطرة لا تكفي… نحتاج إلى وعي

لو كانت الفِطرة وحدها كافية، لما وُجدت كل هذه الأبحاث العلمية في:

  • عـلم نفس الطفولة
  • عـلوم التربية الحديثة
  • الإرشاد الأسري
  • التوجيه السلوكي
  • الوقاية من العنف المنزلي

جميع هذه العلوم نشأت لأن الفِطرة، في عالمنا المعقّـد، لا تكفي.
نحن نحتاج إلى وعي — إلى أدوات — إلى عـلم يُرشد الآباء كما يُرشد الأبناء.

كيف تعالج المجتمعات الحديثة هذا النقص؟

  • في الدول المتقدمة: هناك برامج رسمية لتأهيل الأهل قبل الإنجاب وبعـده.
  • تتوفر خطوط طوارئ لحماية الطفل من تعـسف الأهل.
  • وتُدرَّس مبادئ عـلم النفس التربوي ضمن برامج التعـليم والتأهيل المهني.
    بينما المجتمعات الدينية التقليدية تكرر: “الولد لازم يطيع أبوه، مهما كان.”

خاتمة: إن كنا نوصي الطفل فِطريًّا، فلماذا لا نوصي مَن شوّهت التجارب فطرته؟

إن اعتماد النص الديني عـلى توصية الطفل دون توصية الأهل، لم يكن عجزًا بل انعكاسًا لثقافة بدائية لا تُحمّل القوي أية مسؤولية تجاه الضعيف.
وإننا في القرن 21، نحتاج إلى إصلاح هذا الخلل، لا إلى تبريره.

في مجتمع صحي، لا طاعة عمياء — بل مسؤولية متبادلة، ورعاية قائمة عـلى الوعي، لا الفِطرة وحدها.

image_pdfimage_print
What’s your Reaction?
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments